التنمر بين الأطفال
فهم التنمر بين الأطفال
2 دقائق
22 يناير 2026
فريق نفس

في عمر 9-12 سنة، يكون الطفل في مرحلة الطفولة المتوسطة، وهي مرحلة نمو جسدي ونفسي وعقلي مهمة جدًا. وفي هذه المرحلة، يصبح الطفل أكثر وعيًا بالتعامل مع أقرانه، وتزداد اهتماماته بمظهره بين أصدقائه، ويميل إلى تكوين العديد من العلاقات الاجتماعية.
كما تبدأ العلاقات الاجتماعية في المدرسة مع الأصدقاء بأن تأخذ دورًا أكبر في شعوره بالانتماء أو الرفض بين المجموعة، وتساهم في بناء شخصيته وثقته بنفسه، أو على العكس قد تساهم في تدمير شخصية الطفل.
ومن أحد المسببات لذلك هو التنمُّر، فهو أحد التحديات التي قد يواجهها الأطفال في هذه المرحلة، سواء كضحية أو متنمر. وفهم دوافع التنمُّر خطوة أساسية في التعامل معه، والقضاء عليه، ومنع الآثار السلبية العائدة من التنمر على الطرفين: المتنمِّر والمتنمَّر عليه.
والتنمُّر ما هو إلا سلوك عدائي متكرر، يكون فيه تفاوت في القوة أو النفوذ بين المتنمِّر والمتنمَّر عليه، ويوضح العديد من كوامن الشخصية لدى الطرفين، وقد يتطور إلى حد الإيذاء الجسدي والضرب، بجانب الكلام والأفعال التي تصدر من الأطفال. والبعض قد يتخذ مبادئ السخرية والتطاول على أنها مزاح، ولكنها تنطوي على دوافع التنمر والإيذاء للطفل الواقع عليه.
دوافع التنمُّر عند الأطفال في سن ٩-١٢ عام
التنمُّر لا يحدث من فراغ؛ وذلك السلوك العدواني لا يصدر من الطفل لمجرد التسلية، وغالباً يكون للمتنمر دوافع وأسباب تجعل السلوك التنمُّري مظهرًا للتضحية والنقص، أو للبحث عن مكاسب نفسية أو اجتماعية. ومن دوافع التنمُّر في هذه الفئة:
الرغبة في السيطرة والسلطة
بعض الأطفال يرغبون في تقليد الكبار، والشعور بإحساس السلطة والسيطرة على من حولهم، والشعور بإحساس السن الأكبر والرأي المسموع، ويفرضون أنفسهم من خلال التنمُّر. وغالبًا ما يميلون للشعور باحتياج الأطفال الآخرين لهم، ويسعون لامتلاك سلطة من وجهة نظرهم الصغيرة عن طريق العلاقات الاجتماعية داخل الفصل أو أثناء اللعب، فيجب أن يكون هو الطفل المسيطر على ذلك.
البحث عن الانتباه والتقدير
في بعض الحالات، يكون الطفل المتنمِّر يعاني من شعور بأنه غير ملحوظ في المنزل أو من الأقران، يحتاج للمزيد من اهتمام المحيطين به، فيستخدم التنمُّر كوسيلة لجذب الانتباه، ولكنه لا يدرك أن ذلك جذب انتباه بطريقة سلبية.
التقليد والسلوك المكتسب
عندما يرى الطفل تنمُّرًا يحدث أمامه، ويراه بكثرة، وخصوصًا عندما نرى أن تلك السلوكيات منتشرة فيما يشاهده الأطفال على الإنترنت والتلفاز، يُخيل إليه أن ذلك الفعل منتشر وليس له أي أضرار وسلبيات، فيتجه لتقليد ذلك السلوك.
شعور النقص أو ضعف الثقة بالنفس
قد يكون السلوك التنمُّري محاولة من المتنمر لإخفاء بعضٍ من عيوبه أو نقاط ضعفه، وغالبًا ما تنشأ من عدم ثقة الطفل بنفسه، فيحاول إظهار القوة الداخلية لديه حتى يلفت نظر الآخرين عن ضعفه.
البيئة العائلية أو الضغوط النفسية
عند وجود مشاكل أسرية وصراعات، وعدم اهتمام بالطفل، فذلك يساعد بصورة كبيرة على إظهار الطفل بالصفات السيئة به. ويمكن أن يتحول الطفل إلى متنمِّر ليخرج ما بداخله بطريقة مؤذية للآخرين، نتيجة لتلقيه ذلك الأذى النفسي من المحيطين.
المكاسب الاجتماعية بين الأقران
في المدرسة، في ذلك العمر يميل الأطفال للشعور بالاهتمام والقبول من الآخرين، والتنمُّر في بعض المجموعات قد يكون وسيلة ليكون الطفل جزءًا من مجموعة “قوية” بين زملائه، أو لكي لا يكون هو المستضعف ويتجنب الأذى الواقع على الآخرين.
الفروق الفردية
بعض الأطفال لديهم مشاكل في السيطرة على الانفعالات، أو لديهم مزاج سريع الغضب، أو ضعف في مهارات التعاطف، وهو ما يحتاج الوعي من الأهل والمحيطين لاكتشاف تلك الشخصيات والتعامل معهم بصورة سليمة، لكبح مشاعر الغضب ودوافع التنمر الموجودة داخلهم.
تأثير التنمُّر على المتنمَّر والمتنمَّر عليه
ممارسة التنمُّر لها أضرار نفسية وجسدية كثيرة، وتأثيرها يمتد إلى المدى الطويل إذا لم يتم التعامل معه بطريقة سليمة:
على المتنمَّر عليه
يدمر التنمر أي شعور بالثقة لدى الطفل، ويجعله في حالة شعور بالوحدة والخجل دائمًا. وتكثر عليه مشاعر القلق والحزن، التي ربما تتطور لاضطرابات نفسية أكبر. كما أنه يتراجع في الأداء الدراسي، ولا يرغب في التواجد في الأماكن التي يمكن أن يُمارس عليه فيها التنمر. ومع تطور الوضع، تظهر عليه بعض الأعراض الجسدية مثل اضطرابات النوم وتأثيرات على الشهية، مما يعطي الإنذار بضرورة التدخل.
على المتنمِّر نفسه
استمرار التصرفات العدوانية والمشاكل النفسية لدى الطفل تجعله أكثر عرضة للاضطرابات النفسية في المستقبل، والدخول في المشكلات. كما أنه يفتقد لكثير من المشاعر، وضعف في تكوين العلاقات الصحية، ويواجه صعوبة في التعاطف مع الآخرين، وفي التوبة أو الاعتذار.
كيف يمكن للأهل والمدرسة التعامل مع دوافع التنمر والمتنمرين
دور الأهل
التعرف المبكر ومراقبة السلوك
على الأهل الانتباه إذا تغير مزاج الطفل، وزادت تصرفاته العدوانية، أو ازدادت الشكاوى من تصرفاته مع أقرانه، وهو ما يتطلب التعاون بين المدرسة والأهل، وغيرها من العلامات التي تتطلب التدخل من الأهل.
الحوار والتواصل المفتوح
يجب الاستماع للطفل دون حكم، وإعطاؤه المساحة للحديث عن مشاعره وما يشعر به من ضغوطات، ومحاولة معرفة مدى صحة علاقاته مع أصدقائه ومعلميه، وما هو شعوره تجاههم، حتى يمكن استنباط ما إذا كان الطفل يمارس التنمر أو يُمارس عليه.
تعليم التعاطف واحترام الآخر
توضيح أن لكل شخص مشاعره وظروفه، وأن تكون هناك عواقب لكلماتنا وتصرفاتنا تجاه الآخرين، وأن كل كلمة أو تصرف يصدر من الطفل قد يؤثر بشكل كبير على حياة طفل آخر.
التعاون مع المدرسة
لا يُحل التنمُّر فقط في المنزل، بل بالتعاون بين الجهتين: المنزل والمدرسة، لمراقبة وتحليل سلوكيات الطفل، والتبليغ عند حدوث تصرفات غريبة أو عدوانية من الطفل داخل المنزل أو في المدرسة، لزيادة متابعة سلوك الطفل.
تقديم الدعم النفسي
إذا كان الطفل المتنمَّر عليه يعاني من آثار قوية (خوف، قلق، اكتئاب)، ويحاول الهروب من الانضمام لأماكن معينة، فإنه يحتاج لمساعدة مختص نفسي إذا كانت مساعدة الأهل غير كافية. كذلك المتنمِّر نفسه قد يحتاج لمعرفة لماذا يفعل ذلك، وتغيير سلوكه.
تعزيز الثقة بالنفس والهوايات
تشجيع الطفل على ممارسة أنشطة يحبها، تزيد من ثقته بنفسه، وتزداد مقدرته على تجاهل كلام المتنمرين، ويقلل الحاجة إلى إثبات الذات بتصرفات سلبية.
دور المدرسة والمعلم
وضع سياسات واضحة للتنمُّر
وجود قواعد واضحة في المدرسة تحظر التنمُّر، وتوضح دوافع التنمر المختلفة وآثاره السلبية على نفسية الأطفال، وتشجع الطلاب على مقاومة التنمر، وكيف يُبلغ الطالب أو الأستاذ عن حادثة التنمُّر دون خوف أو تردد.
تهيئة بيئة صفية وداعمة
عندما تتميز البيئة المدرسية بالتسامح، والتعاون، واحترام الآخر، ويظهر ذلك في تعامل المدرس مع الطلاب، تختفي دوافع التنمر السيئة من نفوس الأطفال. كما أن مراقبة أماكن اللعب، والممرات حيث يحدث التنمُّر، تساعد بصورة كبيرة على منع حالات التنمر، ومعاقبة من يقومون بذلك.
برامج التوعية والتدريب
يجب إقامة ندوات توعية، وتدريس مهارات التعامل مع المشاعر، مهارات التعاطف، مهارات حل النزاعات، وكيفية التعبير عن المشاعر السلبية دون إيذاء الآخرين، لمساعدة الأطفال على التخلص من الطاقة السلبية، ولكن بتصرفات سليمة.
التدخل الفوري والمتابعة
عندما يحدث التنمُّر، يجب أن يتدخل المعلم/إدارة المدرسة بسرعة، ومساعدة كلا الطرفين على علاج الحالة، ومعرفة دوافع التنمر لدى الطفل المتنمِر، وتقديم دعم لكلاهما، وليس فقط العقاب، فكلا الطرفين يحتاج لتلقي دعم كافٍ في الحياة.
تعزيز مشاركة الطلاب
تشجيع الأطفال أنفسهم ليكونوا جزءًا من الحل: زملاء يدعمون بعضهم البعض، محاولة فض النزاعات بطريقة سليمة، وتشجيع المساواة بين الأطفال.
الخلاصة
التنمُّر ظاهرة مؤذية، لكن بفهم دوافع التنمر الحقيقية، يمكن التعامل معه بطريقة تعالج الجذور لا الأعراض فقط.
في عمر 9-12، الأطفال في مفترق طرق عاطفي واجتماعي كبير، ويجب على الأهل والمدرسة غرس القيم والمبادئ لديهم، ومعرفة لماذا يميل هذا الطفل لممارسة التنمر، وما دوافع التنمر لديه.
وكما أنه عندما يُدرك الطفل المتنمَّر عليه أنه ليس وحده، ويكون هناك بيئة تشجّع على الاحترام، التعاطف، والدعم، يمكن أن ننقذ الكثير من القلوب، وأن نبني أطفالًا أكثر مرونة وأكثر صحّة اجتماعية.
مع نفس ندعمك في كل خطوة، ونساعدك تعيش حياة متوازنة وصحية!
