رحلة تكوين الهوية
شارك ابنك في رحلة تكوين الهوية
3 دقائق
22 يناير 2026
فريق نفس

مرحلة الطفولة المتوسطة (9–12 سنة) ليست مجرد سنوات عابرة بين الطفولة المبكرة والمراهقة، بل هى من أهم مراحل تكوين الهوية عند الطفل، فهي تعد مرحلة مفصلية في تكوين شخصية الطفل وبناء أسس الهوية لديه.
في هذه المرحلة، يبدأ الطفل بالبحث عن إجابات لكثير من التساؤلات التي تدور بخاطره: من أنا؟ ماذا أحب؟ ما الذي يميزني عن الآخرين؟ كيف يراني الناس؟ ما طموحي تجاه الحياة؟ وغيرها من الأسئلة التي تعبر عن بدء نضج الطفل ودخوله مرحلة تكوين الهوية المنفصلة.
ولكن في بعض الأحيان قد يشعر الطفل بتذبذب في هويته، وعدم وجود صورة صحيحة يسعى الطفل للوصول إليها، وقد يؤدى ذلك لفقدان الثقة بالنفس، وهنا يظهر دور الأهل والمدرسة في مساعدة الطفل على تكوين الهوية المتوازنة والإيجابية التي تساعد في حمايته من كثير من العقبات الحياتية والنفسية التي قد تقابله في المستقبل.
ما معنى تكوين الهوية عند الأطفال؟
الهوية هي إدراك الطفل لذاته ولما يجعله مختلفًا عن الآخرين، سواء كانت قيمًا ومواقف إنسانية أو مبادئ أو حتى انتماءات مختلفة في الحياة، فهي بمثابة انعكاس داخلي لما يرغب الطفل في أن يصبح مستقبلا، وما يرغب أن يتمتع به من سلوكيات ومبادئ، والتي تحدد كيف يتعامل مع العالم من حوله.
وبالنسبة للفئة العمرية من 9–12 سنة، فإن تكوين الهوية يشمل عدة أوجه مثل:
الهوية الفردية: شعور الطفل بالاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرار وتكوين أفكار ومعتقدات حول جوانب الحياة المختلفة.
الهوية الاجتماعية: شعوره بالانتماء إلى الأسرة والمدرسة والحياة الاجتماعية والأصدقاء، والقدرة على التفاعل مع البشر في مختلف الأماكن.
الهوية القيمية: بدايات إدراك الطفل للمبادئ الأخلاقية كالصدق، والتعاون، والاحترام، والتي تحدد مسار حياته بصورة كبيرة، وتلك الهوية مهمة لإدراك الطفل الخطأ من الصواب في الحياة.
الهوية المستقبلية: ما يرغب الطفل في أن يصبح عليه مستقبلًا، ويجب أن تكون تلك الهوية منفصلة عن أحلام وطموحات الآخرين، وخاصة بما يشعر الطفل أنه يفضله في الحياة.
تلك الأوجه تجعل الطفل في حالة إدراك ووعي صحي بنفسه وأحلامه وطموحاته، وتمنحه القوة على مواجهة كافة صعاب الحياة والتغلب عليها.
لماذا نشعر بضعف تكوين الهوية لدى الأطفال اليوم؟
نحن نعيش عصر تسارع التكنولوجيا والتقدم والانفتاح على كافة الحضارات والبلاد المختلفة، لذلك يواجه الأطفال في ذلك العصر معضلة فكرية ناتجة عن هذا الانفتاح، تجعلهم في حالة تشتت عن تكوين الهوية الأساسية لهم، وقد يعود ذلك إلى عدة عوامل:
التأثير المفرط لوسائل الإعلام والتكنولوجيا:
الأطفال اليوم يمكنهم تصفح آلاف من صفحات الإنترنت والانفتاح على الثقافات الغربية المختلفة، ويتعرضون لمحتوى هائل من الألعاب والبرامج التلفزيونية وأفلام الأطفال، مما يجعلهم يخلطون بين الواقع والافتراض. و يتعايشون في حالة من الانفصال الذهني عن الواقع، فقط يتعايشون مع الشاشة التي أمامهم. وهذا التعرض المستمر قد يضعف قدرتهم على معرفة ذاتهم الحقيقية، ويجعلهم يسعون لتقليد شخصيات وهمية أو مشاهير الإنترنت كما نرى في ذلك العصر.
ضعف الحوار الأسري:
بسبب الضغوطات اليومية والخلافات الأسرية والانعزال التكنولوجي، نفتقد لغة الحوار داخل المنزل، وخصوصًا بين الأطفال وآبائهم، فينشأ الطفل بلا فرصة للتعبير عن نفسه أو مشاركة أفكاره ومخاوفه، وبالتالي لا يجد التوجيه اللازم من الأهل والمساعدة الكافية على تكوين وجهة نظر وهوية حقيقية في الحياة، مما يزيد من شعوره بالفراغ الداخلي.
غياب القدوة:
حين يرى الطفل تضاربًا بين ما يقوله الكبار وما يفعلونه، يفقد القدرة على تمييز الخطأ من الصواب، ولا يستطيع الاقتداء بأيٍّ منهم أو جعله مرجعًا له في تصرفاته وأفكاره، ويفقد القدرة على تكوين هويته القيمية.
ضغوط المدرسة والأصدقاء:
التنمر والمقارنات والسلوكيات السلبية داخل المدارس تجعل الأطفال في حالة فقدان للثقة بأنفسهم، ويتخلون عن صفاتهم الحسنة من أجل مواكبة تلك التصرفات، فتصيبهم بحالة تشتت وتذبذب عن طبيعتهم وهويتهم الحقيقية.
غياب الأنشطة الداعمة:
الطفل الذي لا يمارس هوايات أو أنشطة تساعده على اكتشاف ذاته، وتفهم ميوله ورغباته في الحياة، يجد صعوبة في تكوين هوية متوازنة.
أهمية تكوين الهوية في هذه المرحلة
تكوين الهوية في تلك المرحلة العمرية ليس فقط من أجل تحديد مسار الحياة والمستقبل، بل يساعد في عدة جوانب نفسية وحياتية لدى الطفل، من أهمها:
الحماية من القلق والاكتئاب: الطفل الذي لديه المقدرة على معرفة ذاته ونقاط قوته وضعفه، تزداد ثقته بنفسه وقراراته، ويصبح أقل عرضة للاضطرابات النفسية الناشئة من القلق والتشتت.
تنمية مهارات اتخاذ القرار: الهوية الصحيحة ومعرفة الشخص بما يحب وما يكره، تزيد من قدرته على اتخاذ قرارات سليمة وواقعية بناء على ميوله الحياتية وفهمه لنفسه.
بناء الثقة بالنفس: إدراك نقاط القوة والضعف تجعل الطفل واثقًا من نفسه، ويستطيع اتخاذ خطوات صحيحة نحو مستقبله.
تشكيل علاقات صحية: الهوية المستقرة تجعل الطفل يعرف حدود التعامل مع الآخرين، وما يؤذيه فيبتعد عنه.
الاستعداد لمرحلة المراهقة: مرحلة المراهقة مليئة بالتقلبات النفسية والعاطفية، والطفل الذي يملك هوية واضحة يستطيع تجاوز تلك الفترة بنجاح ويحقق فيها آماله الحقيقية.
دور الأب والأم في تكوين الهوية لدى الطفل
الحوار المستمر:
يجب دائمًا على الآباء إتاحة مساحة آمنة للطفل ليتحدث عن أحلامه وأفكاره ومخاوفه، ومساعدته على اكتشاف ذاته بصورة أفضل والتخطيط الجيد للمستقبل، ومشاركة التجارب والخبرات معه.
احترام شخصية الطفل:
كل طفل لديه أسلوبه الخاص وأحلامه وطموحاته، واختلاف الشخصيات لا يعني بالضرورة تطور طفل عن آخر. كل طفل يعبر عن نفسه بأسلوبه الخاص، ومحاولة فرض شخصية معينة على الطفل قد تهدم بناء هويته وتجعله في حالة تذبذب بين ما يرغب في الوصول إليه وبين ما يُفرض عليه.
القدوة العملية:
الأهل هم أول نموذج يحتذي به الطفل، وعندما يرى التزامهم بالقيم والمبادئ والسلوكيات الحسنة، يتعلم كيف يبني هوية قائمة على هذه القيم.
تشجيع الهوايات:
من خلال ممارسة الهوايات المفضلة كالرسم، الرياضة، القراءة، والموسيقى، تُمنح الطفل وسيلة لاكتشاف نفسه ومعرفة ما يفضله في الحياة، وما يتميز به عن الآخرين حتى يمكنه السير في طريق بناء هويته تبعًا لما يفضله.
تعزيز الثقة:
مدح الإنجازات الصغيرة وتقدير الجهد، وليس فقط التقدير على النتيجة، يعزز من صورة الطفل الإيجابية عن نفسه، ويعطيه الثقة والقدرة على المضي وراء أهدافه وطموحاته.
دور المدرسة في تكوين الهوية عند الطفل
بيئة تعليمية إيجابية:
المدرسة ليست مكانًا للتعليم الأكاديمي فقط، بل هي أسلوب حياة يساعد الطفل على اكتشاف نفسه والحياة من حوله. ويجب نشر السلوكيات الإيجابية داخل المدرسة، والبعد عن المقارنات والأساليب القديمة في التعليم حتى يستطيع الطفل التعبير عن نفسه. ويجب أن يركز المعلم على تنمية الفرد بصفته متميزًا.
برامج دعم القيم:
إدخال حصص وأنشطة لتعزيز قيم التعاون، والاحترام، والصدق، تساعد الأطفال على اكتشاف هواياتهم ومعرفة الكثير عن أنفسهم، حتى يترسخ لدى الطفل هوية قيمية متينة.
الأنشطة اللاصفية:
مثل الرحلات، والمسرحيات، والأنشطة الرياضية، بجانب أنها تساعد الطفل على استعادة التوازن بين الضغط المدرسي والترفيه، إلا أنها تكشف العديد من الجوانب حول شخصية الطفل وتساعد في تطويرها أيضًا.
المعلم كقدوة:
المعلم مثل الأهل يمثل مرجعًا مهمًا في حياة الطفل، وما يراه الطفل من سلوكيات صادرة من المعلم تؤثر بصورة كبيرة على هويته ومعتقداته وطريقة تعامله مع مختلف الجوانب في الحياة.
مواجهة التنمر:
مكافحة التنمر والعنف داخل المدرسة بشكل جاد يساعد في حماية الطفل من الأذى النفسي وفقدان الثقة بنفسه، وتخليه عن هويته خوفًا من الرفض.
خاتمة
رحلة تكوين الهوية للطفل في مرحلة ما قبل المراهقة هي حجر الأساس من أجل مستقبل أفضل للأطفال، فهي تشكل الأساس لشخصيته في المراهقة والرشد.
وكلما كان الأهل والمدرسة أكثر وعيًا بأهمية هذه المرحلة، ساعدوا الطفل على تكوين الهوية المتوازنة التي تمنحه الثقة، تحميه من الاضطرابات النفسية، وتجعله أكثر استعدادًا لمستقبل مليء بالتحديات.
مع نفس ندعمك في كل خطوة، ونساعدك تعيش حياة متوازنة وصحية!
